Pages

Monday, November 21, 2016

إن رحمت الله قريب

اقترب معاد الولادة، يتحرك الجنين كثيراَ داخل كيسه المائي، يبدو أن الأهل ليسوا الوحيدين المتحمسين لوجه جديد في الدنيا.

نُفخ في الروح، اكتمل الخلق، الأم في المستشفى والأب والأهل حول سريرها يرمقونها في حب وعطف وحنان، 
يا الله مُدّها بالقوة من عندك.

الولادة قيصرية والطفلة تخرج أمام أعين الجميع بوجه أزرق لا يستطيع التنفس، الحبل السُرّي معقود من كثرة الحركة! الأطباء يتصرفون بسرعة لإنقاذ حياة الجنين ويتوجه الأهل بالدعاء. يا الله ارحم قلوبنا برحمتك.

نجت الطفلة بفضل الله، ابتسمت الممرضة للأبوين وهي تضع الطفلة بين ذراعيهما وتسألهما ماذا سيطلقون عليها. لم يكونا قد قررا بعد، يفتح الأب المصحف في بلاد الكفر وتقع عينيه على الآية التى تقول: "قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ" (28)
وآتاني رحمة من عنده.

ثم تدبرا رحمة الله عليهما وعلى الطفلة أن أنجاها في بداية حياتها ولطف بها، فنظر الأب للممرضة وقال "رحمة! سندعوها رحمة!"

-

توقفت القصة عند هذا الحد، وبقيت أنا طيلة حياتي أحاول فهم مراد الله من اسمي، فهي رسالة قرآنية واضحة مباشرة من الله إلى والديّ أن أطلقا عليها رحمة، وبتجربة عملية أثبت أنه سيرعاني برحمته طيلة حياتي، حتى وإن لم أفعل شيئ في المقابل (فور الولادة)

شغلني الأمر لفترة، مرت الأيام والسنين، ومرت معها آلام وضحكات، آمال وأعمال، رؤى وأفكار، تغيرت وتعلمت وحدي ولكني لم أعرف الجواب بعد،
ماذا يريد الله من "رحمة"؟

-

أسماء البلتاجي، قتلت في مجزرة فض رابعة العدوية عن عمر يناهز 17 عام –تقربني-، كتبت في بداية مذكراتها داعية الله أن يجعلها ممن يوزعون البسمات وينشرون الأمل بين الناس.

فكرت في نفسي، يا لها من غاية نبيلة غير أنانية، ليس من المدهش أن يكون أمثالها هم المصطفين من الشهداء.
لم أكن أفهم الصفة الإنسانية المهمة والمطلوبة في الشعور بآلام الناس ومحاولة إسعادهم، لم أكن أفهم أهمية أن يكون نشر الخير هدفاً وغاية.

حتى  رأيت الشر الكثير.

رأيت الشر وعايشته وتضررت منه، والحقيقة أثبتت أن الطيبين هم أكثر المتضررين من الأشرار، لأنهم يقفون عاجزين عن الرد أو حتى الفهم أو الاستيعاب.

ومن غير المدهش أيضاً أن تكون آية "الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات" متداولة بتفسير خاطئ، فما وجدت ما يدعيه الناس، أن الطيبين دائماً سعيدي الحظ ليحظوا بالطيبين أمثالهم. الحياة ليست وردية بهذا الشكل، بل يصادف الأطياب أكثر الناس شراً في حياتهم، يحاولون تلطيخ قلوبهم النقية، يجعلونهم يتألمون.

ربما ليس دائماً لأنهم أشرار، ربما لأن طبيعة الإنس تحكم في معظم الأحيان دوناً عن إرادتنا، ولا يفكر الناس إلا في أنفسهم وإن تطلب الأمر تعذيب الغير.

الحمدلله صادفت الكثير من هؤلاء، وتألمت كثيراً، ولا أرضى بمثل هذا أن ينتشر، أحاول جاهدة أن لا يتأثر قلبي بطين غيري فأجد نفسي مثلهم، أن لا أُعَض من المستذئب لأبقى على فطرة الله التى فطر الناس عليها.

أن أعامل الناس بطبيعتي الإنسانية لا بما أراه منهم من تصرف حيواني.
إن ظُلمت في موقف ضعف، لا أظلم في موقف قوة.
إن أُهَنت في موقف ضعف، لا أهين في موقف قوة.
أقوى الناس من يسامح وهو المستطيع أن يأخذ حقه بيديه.

-

عند وفاة الملك عبد الله، انهالت اللعنات والدعوات عليه من كل حدب وصوب، وغرقت مواقع التواصل الإجتماعي في سبّه وشتمه وتمني حرقه في نار جهنم بسبب ما رأوه منه في حياته.

لكن كان تعليق أبي الذي علق في ذهني حينها وإلى الآن، بعد ما كان أكثر الناس دعاءاً عليه وعلى أهله وسلطته في حياته، دعا له بالرحمة عند مماته! 
تعجبت وسألته في استنكار: لم؟! قال: يوم لا ينفع مال ولا بنون، يوم لا تضمن أعمالك وتبقى معلقاً تحت رحمة الله، إن وسعت رحمته أظلم الظالمين مثل الملك عبد الله، كيف ستكون رحمته مع الصالحين والمعترفين بذنوبهم أمثالنا؟

الرحمة صفة راقية جداً جداً، وسماحة النفس مع من ظلمونا تحتاج لقوة نفسية وإيمانية مهولة.

وأنا أدعوا الله بصدق دعاء أسماء أن استجاب الله لها واصطفاها، أن يجعلني من الراحمين في الأرض، أن يجعلني ممن ينشرون الحب والخير بين الناس، وأن لا أظلم أحد وأن أكسر قلب أحد، فبئس الفعل ذاك، وبئس الألم المصاحب.


لأجل لا شيئ إلا أن أحاول أن أكون من المحسنين، فتقترب مني رحمة الله، وأشفي فضول السؤال، ماذا يريد الله من رحمة؟


Rahma Fateen